مادة فقه الصلاة الفصل الثاني
الدرس الاول : فرائض الصلاة عند المالكية

أهداف الدرس
أَنْ أَتَعَرَّفَ مَفْهُومَ الصَّلَاةِ وَمَشْرُوعِيَّتَهَا.
أَنْ أُمَيِّزَ بَيْنَ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا.
أَنْ أَسْتَشْعِرَ رُوحَ عِبَادَةِ الصَّلَاةِ .
تمهيد
لَيْسَ فِي الْإِسْلامِ عِبَادَةٌ إِلَّا وَهِيَ وَسِيلَةٌ لِغَيْرِهَا؛ لِيَتَرَقَّى المُسْلِمُ فِي مَعَارِجِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ وَوَسِيلَةٌ لِعِبَادَةِ الصَّلاَةِ، اِلَّتِي تُعَدُّ -أَيْضاً- وَسِيلَةً لِتَحْقِيقِ حُسْنِ الصِّلَةِ بِاللهِ تَعَالَى وَالْخُضُوعِ لَهُ جَلَّ وَعَلَا، وَصِدْقِ الْمَسْكَنَةِ وَالْاِنْكِسارِ بَيْنَ يَدَيْ ذِي الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ .
فَمَا الصَّلاَةُ؟ وَمَا مَشْرُوعِيَّتُهَا؟ وَمَا أَسْرَارُهَا؟ وَمَا فَرَائِضُهَا؟
النظم
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَاشِرٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَرَائِضُ الصَّلاَةِ سِتَّ عَشَرَهْ * شُرُوطُهَا أَرْبَعَةٌ مُقْتَفَرَهْ
تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالْقِيَامُ * لَهَا وَنِيَّةٌ بِهَا تُرَامُ
فَاتِحَةٌ مَعَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعْ * وَالرَّفْعُ مِنْهُ وَالسُّجُودُ بِالْخُضُوعْ
وَالرَّفْعُ مِنْهُ وَالسَّلاَمُ وَالْجُلُوسْ * لَهُ وَتَرْتِيبُ أَدَاءٍ فِي الْأُسُوسْ
الفهم
الشَّرْحُ:
مُقْتَفَـرَهْ: مُتَّبَعَةٌ.
تُــرَامُ: تُقْصَدُ.
الْخُضُوع: هُوَ الذِّلَّةُ لِعَظَمَةِ اللهِ وَجَلاَلِهِ.
الْأُسُوس: جَمْعُ أُسٍّ، وَهُوَ الْأَسَاسُ.
اِسْتِخْلاَصُ مَضَامِينِ النَّظْمِ:
أُحَدِّدُ انْطِلَاقاً مِنَ الْمَتْنِ عَدَدَ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
أُبَيِّنُ عَدَدَ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ، مُحَدِّداً الْمَذْكُورَ مِنْهَا هُنَا.
التحليل
يَشْتَمِلُ هَذَا الدَّرْسُ عَلَى مَا يَأْتِي:
أَوَّلاً: تعريف الصلاة ومشروعيتها ومكانتها
تَعْرِيفُهَا
الصَّلاَةُ لُغَةً: قِيلَ: مَنْقُولَةٌ مِنَ الدُّعَاءِ الَّذِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَتُطْلَقُ الصَّلَاةُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ عَلَى الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: مَنْقُولَةٌ مِنَ الصِّلَةِ، وَهِيَ مَا يَرْبِطُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ؛ لأنَّهَا صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ.
وَالصَّلاَةُ شَرْعاً: أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ، مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ، مَعَ النِّيَّةِ، بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ؛ أَوْ هِيَ: عِبَادَةٌ ذَاتُ إِحْرَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَتَسْلِيمٍ.
مَشْرُوعِيَّتُهَا
فَرَضَ الله تَعَالَى الصَّلاَةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ وُجُوباً قَطْعِيّاً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِعَيْنِهِ، بَلْ هِيَ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، كَبَقِيَّةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ.
وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا آيَاتٌ قُرْآنِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ:
سورة البقرة، الآية 43
وَأَحَادِيثُ نَبَوِيَّةٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّائِلِ عَنِ اِلْإِسْلَامِ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اِلْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ…». [ صحيح البخارية: الزكاة من الإسلام ].
مَكَانَتُهَا
الصَّلاَةُ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنيَّةِ وَأَشْرَفِهَا، جَمَعَ الله فِيهَا لِبَنِي آدَمَ أَعْمَالَ الْمَلاَئِكَةِ كُلَّهَا مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَذِكْرٍ، وَأَنْوَاعًا مُهِمَّةً مِنْ الطَّاعَاتِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَعُدَّتْ مِنَ الدِّينِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ.
وَيَكْفِي أَنَّهَا أَوَّلُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَنَّهَا قَرِينَةُ الصَّبْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
سورة البقرة، الآية: 44
بِحَيْثُ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي عَظَائِمِ الْأُمُورِ، قَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ اِلْمُوَطَّإِ: «وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزَعَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَمَرَ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ». [شرح الزرقاني على الموطإ، كتاب الصلاة، ما يكره للنساء لبسه]
مِنْ حِكَمِهَا: أَنَّهَا صِلَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَرَبِّهِ، وَصِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ قَصَّرَ بِحَقِّ اللهِ وَحَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ»؛ وَيَقُولُ فِي التَّشَهُّدِ: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ»؛ فَيَكُونُ تَارِكُهَا مُقَصِّراً فِي حَقِّ اللهِ بِتَرْكِ عِبَادَتِهِ، وَفِي حَقِّ رَسُولِهِ بِتَرْكِ الشَّهَادَةِ بِرِسَالَتِهِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَفِي حَقِّ نَفْسِهِ؛ إِذْ حَرَمَ نَفْسَهُ الْخَيْرَ الْعَظِيمَ، وَفِي حَقِّ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ الذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ، وَلَا يَسْتَغْفِرُ هُوَ لَهُمْ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ فِي صَلَاتِهِ التِي تَرَكَهَا؛ وَلِكُلِّ ذَلِكَ عَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ بِتَرْكِهَا.
وَمِنْ مَقَاصِدِها: أَنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
سورة العنكبوت: 45
وَذَلِكَ بِمُدَاوَمَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهَا، فَيُحَبَّبُ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ، وَيُكَرَّهُ إِلَيْهِ الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ، وَتَقْوَى رَغْبَتُهُ فِي الْخَيْرِ، وَتَسْهُلُ عَلَيْهِ اِلطَّاعَاتُ، وَيَقْتَرِبُ الْعَبْدُ مِنَ اللهِ، فَيُيَسِّرُ لَهُ أُمُورَهُ، وَيُبَارِكُ لَهُ فِي أَعْمَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَبِذَلِكَ يَعِيشُ عِيشَةَ السُّعَدَاءِ.
ثَانِياً: شُرُوطُ الصَّلَاةِ وَفَرَائِضُهَا
لِلصَّلَاةِ شُرُوطٌ وَفَرَائِضُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الشُّرُوطَ خَارِجَةٌ عَنِ مَاهِيَةِ الصَّلَاةِ، وَالْفَرَائِضُ دَاخِلَةٌ فِيهَا.
شُرُوطُهَا
شُرُوطُ الصَّلاَةِ قِسْمَانِ:
شُرُوطُ وُجُوبٍ؛ وَالْمُرَادُ بِهَا: مَا لَا يُطْلَبُ مِنَ الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ كَالْبُلُوغِ.
شُرُوطُ صِحَّةٍ؛ وَالْمُرَادُ بِهَا: مَا يُطْلَبُ مِنَ الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ كَالطَّهَارَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَسَتَأْتِي بَعْدَ الْفَرَائِضِ.
فَرَائِضُهَا
فَرَائِضُ الصَّلاَةِ سِتَّ عَشْرَةَ فَرِيضَةً، وَهِيَ:
النِّيَّةُ الَّتِي تُقْصَدُ بِهَا الصَّلَاةُ؛ وَيَجِبُ اقْتِرَانُهَا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَلَا تُؤَخَّرُ عَنْهَا، وَلَا تُقَدَّمُ عَلَيْهَا، وَلَا يَضُرُّ ذَهَابُهَا بَعْدَ انْعِقَادِهَا. وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الصَّلَاةِ الْمَنْوِيَّةِ ظُهْراً أَوْ عَصْراً أَوْ غَيْرَهُمَا، وَالْأَفْضَلُ تَعْيِينُهَا بِالْقَلْبِ لَا بِاللَّفْظِ.
تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ الَّتِي يَدْخُلُ بِهَا فِي حَرَمِ الصَّلَاةِ وَحُرْمَتِهَا؛ وَلَفْظُهَا: اللهُ أكْبَرُ، ولَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلَا يُجْزِئُ أَكْبَار بِالْمَدِّ لِتَغَيُّرِ الْمَعْنَى.
الْقِيَامُ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَلَا يُجْزِئُ قَوْلُهَا مِنْ جُلُوسٍ ثُمَّ الْقِيَامُ لِلْقِرَاءَةِ.
وَفِي هَذِهِ الْفَرَائِضِ قَالَ النَّاظِمُ:
(تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالْقِيَامُ * لَهَا وَنِيَّةٌ بِهَا تُرَامُ).
قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ؛ وَهِي وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُصَلِّي إِمَاماً أَوْ فَذّاً لَا مَأْمُوماً؛ وَيَجِبُ تَعَلُّمُهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا اِئْتَمَّ بِمَنْ يُحْسِنُهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُهَا.
الْقِيَامُ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ؛ فَلَا يُجْزِئُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ مِنْ جُلُوسٍ ثُمَّ الْقِيَامُ لِلرُّكُوعِ.
الرُّكُوعُ؛ وَأَقَلُّهُ الِانْحِنَاءُ بِقَدْرِ مَا تَقْرُبُ رَاحَتَاهُ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ، وَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِمَا، وَيُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ، وَيُسَوِّيَ ظَهْرَهُ وَرَأْسَهُ.
الرَّفْعُ مِنَ الرُّكُوعِ؛ فَإِنْ أَخَلَّ بِهِ وَخَرَجَ مِنَ اَلصَّلَاةِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلرَّجُلِ الذِي لَمْ يُحْسِنْ صَلَاتَهُ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ … ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً».[ صَحِيحُ ابْنِ خُزَيْمَةَ، كِتَابُ الصَّلَاةِ، باب الأمر بإعادة الصلاة إذا لم يطمئن المصلي في الركوع أو لم يعتدل في القيام بعد رفع الرأس من الركوع ]
وَفِي هَذِهِ الْفَرَائِضِ قَالَ النَّاظِمُ: (فَاتِحَةٌ مَعَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعْ وَالرَّفْعُ مِنْهُ).
السُّجُودُ؛ وَيَنْبَغِي فِيهِ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ مَعَ اسْتِحْضَارِ الْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَجِبُ فِيهِ تَمْكِينُ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنَ الْأَرْضِ، فَمَنْ سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ دُونَ الْجَبْهَةِ أَعَادَ أَبَداً، وَعَلَى الْجَبْهَةِ دُونَ الْأَنْفِ أَجْزَأَهُ، وَيُعِيدُ اسْتِحْبَاباً.
الرَّفْعُ مِنَ السُّجُودِ؛ وَيَنْبَغِي رَفْعُ الْيَدَيْن عَنِ الْأَرْضِ فِي الْجُلُوسِ بَعْدَهُ.
الْجُلُوسُ لِلسَّلَامِ؛ وَالْفَرْضُ مِنْهُ الْجُلُوسُ لِلتَّسْلِيمِ، ومَا زَادَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ.
السَّلَامُ؛ وَيَتَعَيَّنُ فِيهِ لَفْظُ: السَّلَامُ عَلَيكُمْ. وَيَنْوِي بِالسَّلَامِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ، كَمَا يَنْوِي الدُّخُولَ فِيهَا بِالْإِحْرَامِ.
تَرْتِيبُ أَدَاءِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ، بِتَقْديمِ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ، وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَالسُّجُودِ عَلَى الْجُلُوسِ؛ فَلَوْ عَكَسَ فَبَدَأَ بِالْجُلُوسِ قَبْلَ الْقِيَامِ،
أَوْ بِالسُّجُودِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ، لَمْ تُجْزِهِ صَلاَتُهُ بِإِجْمَاعٍ.
وَفِي هَذِهِ الْفَرَائِضِ قَالَ النَّاظِمُ:
(وَالسُّجُودُ بِالْخُضُوعْ * وَالرَّفْعُ مِنْهُ وَالسَّلاَمُ وَالْجُلُوسْ* لَهُ وَتَرْتِيبُ أَدَاءٍ فِي الْأُسُوسْ).
ثَالِثاً: رُوحُ عِبَادَةِ الصَّلَاةِ
وَمِنْ أَسْرَارِ الصَّلَاةِ وَلُبِّهَا وَأَثَرِهَا؛
أَنَّهَا صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَلَا يَلِيقُ أَنْ تَرْبِطَهُ بِخَالِقِهِ وَرَازِقِهِ وَالْمُنْعِمِ عَلَيْهِ صَلاَةٌ جَوْفَاءُ فَارِغَةٌ مِنْ رُوحِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ: (وَتَعْتَقِدُ الْخُضُوعَ بِذَلِكَ بِرُكُوعِكَ وَسُجُودِكَ): حَضٌّ عَلَى الْخُشُوعِ، وَقَدْ عَدَّهُ عِيَاضٌ فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ اَبْنُ رُشْدٍ رحمه الله: وَهُوَ مِنَ الْفَرَائِضِ الَّتِي لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: مَنْ لَمْ يَخْشَعْ فِي صَلَاتِهِ فَهُوَ إِلَى الْعُقُوبَةِ أَقْرَبُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: حُضُورُ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعٍ، وَلَا يَجِبُ فِي كُلِّهَا إِجْمَاعاً، وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي جُزْءٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالتَّفَكُّرُ بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَكْرُوهٌ.
أَنَّهَا تَجْمَعُ النَّاسَ مِنْ أَجْلِ أَدَائِهَا، فَيَلْتَقِي بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَتَعَرَّفُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَخْبَارِ اِلْبَعْضِ الْآخَرِ؛ فَيُهَنَّأُ الْمَوْفُورُ، وَيُعَزَّى اَلْمُصَابُ، وَيُجْبَرُ حَالُ الْمَكْرُوبِ، وَيُعَلَّمُ الْجَاهِلُ، وَيُرْشَدُ الْحَيْرَانُ، وَيُبْرَمُ الصُّلْحُ بَيْنَ اَلْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَتُمْحَى اَلْعَدَاوَةُ بَيْنَ اَلْمُتَشَاحِنَيْنِ؛ فَالصَّلَاةُ فُرْصَةٌ لِلتَّوَاصُلِ، وَالْتِحَامِ الْمُجْتَمَعِ اِلْمُسْلِمِ، وَرَبْطِ عَلَاقَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْأُخُوَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِهِ، وَنَشْرِ اِلسَّلَامِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
التقويم
أَذْكُرُ مَفْهُومَ الصَّلَاةِ مَعَ بَيَانِ مَشْرُوعِيَّتِهَا.
أُبَيِّنُ أَحْكَامَ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ الْمُسْتَفادَةَ مِنَ الدَّرْسِ .
أُلَخِّصُ بَعْضَ الْفَوَائِدِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لِلصَّلَاةِ.
الاستثمار
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَكَعَ جَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ اَلْأَعْلَى».
عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ اِلرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ».
[صحيح مسلم كتاب الصلاة باب النهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود]
- أَقْرَأُ الْحَدِيثَيْنِ، وَأُوَفِّقُ بَيْنَهُمَا فِيمَا يُقَالُ فِي السُّجُودِ.
- أَبْحَثُ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي الْأَمْرِ بِالِاجْتِهَادِ فِي السُّجُودِ.
